أبـــو شـــام
04-06-10, 10:32 PM
منذ زمن بعيد
قادتني يد الأقدار إلى لحظةٍ لن أنساها ما حييت ..
وإلى كلمات ليست كالكلمات لن تبرح ذاكرتي أبداً حتى وإن اشغلني الزمن
عن تفاصيل حروفها وعن المعنى الجميل القابع خلف تلك الأحرف ..
كنت في تلك السنوات شاباً يافعاً وكانت الشام بالنسبة لي المتنفس الوحيد
الذي يستطيع أن يستوعب جميع طاقاتي كشاب في بداية العشرينيات من العمر ..
حينها قد التحقت بالمحيط الوظيفي كموظف حكومي في القطاع الصحي بعد أن
قررت عدم إكمال التعليم الجامعي واختصار الطريق لظروفٍ أجبرتني على ذلك ..
كشابٍ عشريني كنت أملك الأموال في حين أن البقية من زملاء التعليم العام قد أشغلتهم
هموم الجامعة والكلية أو الدورة العسكرية عن ملذات تلك المرحلة الجميلة ..
كان لزاماً عليّ أن أدرك بأنني قد أصبحت مستقلاً بالقرار الذي يحدد مصير أي شاب
إمّا بالسّلبِ أو الإيجاب ..
في تلك السنوات كانت الشام تنام على فراشٍ ناعم من الإستقرار السياحي ..
لم تكن هناك أي منغصاتٍ سياسية أو مذهبية أو محاولات لسحب الشام نحو نزاع
يهدف إلى إضعافها سياحياً ..
في ذلك الصيف كان عدد رحلاتي للشام لم يتجاوز السبع رحلات وكنت أستعد للرحلة
الثامنة ..
كان برفقتي – إن لم تخني الذاكرة – زميل من زملاء العمل في تلك الفترة ..
في إحدى النوادي السياحية خرجت كعادتي في آخر السهرة لأستنشق قليلاً من الهواء
النظيف ..
كانت عيناي ترقب ذلك الرّجُل الستيني الذي خذله الزمن وسوء الطالع وهو يقوم بغسل
سيارات الزبائن قبل أن ينبلج عليه نور صباح جديد يُنذِر بالشقاء ومشقة العيش
حسب ما أعتقد ويعتقد أي شابٍ لم تمسسه يد الزمن بشيءٍ من الإختبار الدنيوي ..
كان يرمقني بشكل متكرر
قبل أن يُطلق ضحكته الهادئة ليقول لي ممازحاً : هل تود مساعدتي ؟؟ ..
أجبته بكل استعلاء وبلهجةٍ محليةٍ يَسكنها غرور الشباب : ( الله لا يقوله ) !! ..
سكت فجأة وأكمل عمله بعدها التفت وقال لي جملته الشهيرة :
( أعانكم الله على أنفسكم ) !! .. سألته : لماذا ؟؟ ..
قال لي : الفرق الذي بيننا وبينكم هو أننا نعمل لنعيش وأنتم تعملون لكسب المال
لتصرفوه في أي شيء ولأي شيء ..
قلت له : من تقصد بكلامك هذا ؟؟ .. أجاب : أعني أصحاب الطبقة الوسطى
والطبقة التي تليها من الأعلى في أيّ بلد وفي أيّ مكان على هذا العالم ..
أنتم – ولازال الحديث له – تقلقكم كل مصيبة حتى وإن كان خلفها من عضةٍ وعبرةٍ
ومنفعة تتحقق لصاحبها .. أنتم هكذا تعيشون بلا حب وبلا صدق وتجيدون أدوار التمثيل
أكثر من الممثلين أنفسهم .. ( انتهى حديثه ) ..
ليحمل بعد كلماته العميقة وعاء ماء وقطعة من القماش ليكمل عمله بعد أن أماط
بوعاء فكره وقطعة تجربته الحياتية غبار الجهل عن شاب بمقتبل العمر ولو للحظات ..
خلال ذلك العام كانت تفاصيل ذلك المشهد تراودني بين لحظةٍ وأخرى لكنني
مع مرور سنواتٍ طويلة تناسيتها بسبب ملهيات الحياة ومشاغلها ..
لست من المنتمين لجلد الذات ولا من الذين تروقهم فكرة التمرّد على معادلة التوزيع
الربّاني للبشر بفقرائهم ومتوسطي الدخل مِنهم أو أصحاب الطبقة ( البرجوازية )
ممّن يلبسون الحرير ويسيرون عليه إن لزم الأمر !! ..
ولدي إيمان مُطلق بأن الله – سبحانه – قد أوجد تلك المعادلة لأشياءٍ عدة من أهمها
هو التنوع الذي يعد سمة من سمات كوننا الأساسية ..
لكنني أعترف بما أنني من المنتمين للطبقة الوسطى بأن ظهري قد تكسره نوائِبُ الزمن
والأيام السوداء بالرغم من تجربة حياةٍ لا بأس بها ..
وأعترف أنني بالرغم من رحابة مسكني وأفق تفكيري فإن صدري يضيق وقد يضيق معه
الكون برمته لمجرد مصيبةٍ أرادها الله امتحاناً لإيماني وصبري ..
وأعترف بأن رائحة العطور الفواحة وجميل اللباس وحسن المظهر والمال وكل المظاهر الأخرى
لن تجلب السعادة لمن يريدون كل شيء يسير بشكل منظم أو الذين تقلقهم مشكلة صغيرة
أو حزن عابر ..
هُنا أسجل للزمن وللجميع و ( لذاتي المنهكة ) قبل كل شيء قليلاً من الإعترافات الجديدة
بعد ما عانيته مؤخراً من ظروف يعلمها الله أولاً ثم فئة قليلة من الذين أثق بهم ..
وبالرغم من زوال تلك الظروف إلا أنها قد أزالت قناع المكابرة وادعاء طول التجربة عن وجهي
لأشعر بأنني ( وللأسف ) لم أخرج بعد خمسةٍ وثلاثين عاماً إلا بالشيء اليسير !! ..
لن أنسى أنني في معترك تلك الظروف وفي خضم معركة الحزن على النفس المتعبة أنني
نظرت في أحد الليالي إلى وجه طفلتي البريء وهي تغط في نوم عميق لأدرك بأن الرّجُل
قد يعيش أحياناً من أجل غيره رغماً عنه أو يقرر ذلك بـ ( محض ) إرادته ..
هذه الأسطر هي للجميع قبل أن تكون لصاحبها ولا أدعي بذلك توجيهاً ولا تنظيراً فأنا
من يحتاج إلى التوجيه قبل غيري ولكنها بمثابة ضوء شمعةٍ خافت في نفق واقعنا نحن
الأكثرية بكل مجتمعاتِنا الخليجية وأعني بذلك أولائك الذين ينحدرون وينتمون للطبقة الوسطى ..
أما الذين يتنعّمُون بالملذات ويتلذذون بثرائهم الفاحش فهم بعالم آخر يَعُج بأمراض
العصر وأوهام النفس إلا من رَحِم الله ..
يُقال بأن الأمير ( ويليام ) أحد أبناء العائلة المالكة في بريطانيا قرر يوماً ما خوض
تجربة حياة البؤساء في المجتمع البريطاني ليسكن في أحد الأكواخ تحت جسور العاصمة
البريطانية لندن وعندما فرغ من تلك التجربة وعاد لحياته الطبيعية في البلاط الملكي قال للبستاني
عندما مرّ بجانبه ( هل تصدق بأنني أحسدك على راحة البال ؟؟ .. ) ..
الآن وبعد زوال تلك الظروف أدركت جلياً المعاني السامية لكلمات ذلك العجوز الستيني
وما الذي أراد إيصاله لشابٍ يرى الحياة بعين واحدة ومنطق موحّد ..
ولا أدري هل لازال ذلك العجوز على قيد الحياة أم أنه قد رحل عن عالمنا المجنون
لكنني متأكد بأنه وبتجاعيد وجهه المبعثرة وبعينيه الصغيرتين وبكلماته النابعة من القلب
ومن منطق الحكمة لازال يسكنني في كل موقف وفي كل لحظة حزن وألم ..
فهو بالنسبة لي من أغنى أغنياء الأرض على المستوى الإنساني وإن كان فقيراً
ويكفي هذا الموضوع فخراً أن ينطق في آخر حروفه رغماً عن كاتبه
( شكراً يا أغنى فقراء العالم ) ..
:: قبل الفاصلة ..
للذين سألوا عن سر الغياب والذين انتظروا ما سيخطه قلمي المتواضع
أشكر لكم السؤال وأقدّر لكم لحظات الإنتظار فمشاعركم هي وقود استمراري وزاد
قلمي لمصافحة عقولكم وأرواحكم ..
، فاصلة ..
الذين لا يعرفون التعاسة .. لن يدركوا قيمة السعادة ..
لكم مودتي ..
قادتني يد الأقدار إلى لحظةٍ لن أنساها ما حييت ..
وإلى كلمات ليست كالكلمات لن تبرح ذاكرتي أبداً حتى وإن اشغلني الزمن
عن تفاصيل حروفها وعن المعنى الجميل القابع خلف تلك الأحرف ..
كنت في تلك السنوات شاباً يافعاً وكانت الشام بالنسبة لي المتنفس الوحيد
الذي يستطيع أن يستوعب جميع طاقاتي كشاب في بداية العشرينيات من العمر ..
حينها قد التحقت بالمحيط الوظيفي كموظف حكومي في القطاع الصحي بعد أن
قررت عدم إكمال التعليم الجامعي واختصار الطريق لظروفٍ أجبرتني على ذلك ..
كشابٍ عشريني كنت أملك الأموال في حين أن البقية من زملاء التعليم العام قد أشغلتهم
هموم الجامعة والكلية أو الدورة العسكرية عن ملذات تلك المرحلة الجميلة ..
كان لزاماً عليّ أن أدرك بأنني قد أصبحت مستقلاً بالقرار الذي يحدد مصير أي شاب
إمّا بالسّلبِ أو الإيجاب ..
في تلك السنوات كانت الشام تنام على فراشٍ ناعم من الإستقرار السياحي ..
لم تكن هناك أي منغصاتٍ سياسية أو مذهبية أو محاولات لسحب الشام نحو نزاع
يهدف إلى إضعافها سياحياً ..
في ذلك الصيف كان عدد رحلاتي للشام لم يتجاوز السبع رحلات وكنت أستعد للرحلة
الثامنة ..
كان برفقتي – إن لم تخني الذاكرة – زميل من زملاء العمل في تلك الفترة ..
في إحدى النوادي السياحية خرجت كعادتي في آخر السهرة لأستنشق قليلاً من الهواء
النظيف ..
كانت عيناي ترقب ذلك الرّجُل الستيني الذي خذله الزمن وسوء الطالع وهو يقوم بغسل
سيارات الزبائن قبل أن ينبلج عليه نور صباح جديد يُنذِر بالشقاء ومشقة العيش
حسب ما أعتقد ويعتقد أي شابٍ لم تمسسه يد الزمن بشيءٍ من الإختبار الدنيوي ..
كان يرمقني بشكل متكرر
قبل أن يُطلق ضحكته الهادئة ليقول لي ممازحاً : هل تود مساعدتي ؟؟ ..
أجبته بكل استعلاء وبلهجةٍ محليةٍ يَسكنها غرور الشباب : ( الله لا يقوله ) !! ..
سكت فجأة وأكمل عمله بعدها التفت وقال لي جملته الشهيرة :
( أعانكم الله على أنفسكم ) !! .. سألته : لماذا ؟؟ ..
قال لي : الفرق الذي بيننا وبينكم هو أننا نعمل لنعيش وأنتم تعملون لكسب المال
لتصرفوه في أي شيء ولأي شيء ..
قلت له : من تقصد بكلامك هذا ؟؟ .. أجاب : أعني أصحاب الطبقة الوسطى
والطبقة التي تليها من الأعلى في أيّ بلد وفي أيّ مكان على هذا العالم ..
أنتم – ولازال الحديث له – تقلقكم كل مصيبة حتى وإن كان خلفها من عضةٍ وعبرةٍ
ومنفعة تتحقق لصاحبها .. أنتم هكذا تعيشون بلا حب وبلا صدق وتجيدون أدوار التمثيل
أكثر من الممثلين أنفسهم .. ( انتهى حديثه ) ..
ليحمل بعد كلماته العميقة وعاء ماء وقطعة من القماش ليكمل عمله بعد أن أماط
بوعاء فكره وقطعة تجربته الحياتية غبار الجهل عن شاب بمقتبل العمر ولو للحظات ..
خلال ذلك العام كانت تفاصيل ذلك المشهد تراودني بين لحظةٍ وأخرى لكنني
مع مرور سنواتٍ طويلة تناسيتها بسبب ملهيات الحياة ومشاغلها ..
لست من المنتمين لجلد الذات ولا من الذين تروقهم فكرة التمرّد على معادلة التوزيع
الربّاني للبشر بفقرائهم ومتوسطي الدخل مِنهم أو أصحاب الطبقة ( البرجوازية )
ممّن يلبسون الحرير ويسيرون عليه إن لزم الأمر !! ..
ولدي إيمان مُطلق بأن الله – سبحانه – قد أوجد تلك المعادلة لأشياءٍ عدة من أهمها
هو التنوع الذي يعد سمة من سمات كوننا الأساسية ..
لكنني أعترف بما أنني من المنتمين للطبقة الوسطى بأن ظهري قد تكسره نوائِبُ الزمن
والأيام السوداء بالرغم من تجربة حياةٍ لا بأس بها ..
وأعترف أنني بالرغم من رحابة مسكني وأفق تفكيري فإن صدري يضيق وقد يضيق معه
الكون برمته لمجرد مصيبةٍ أرادها الله امتحاناً لإيماني وصبري ..
وأعترف بأن رائحة العطور الفواحة وجميل اللباس وحسن المظهر والمال وكل المظاهر الأخرى
لن تجلب السعادة لمن يريدون كل شيء يسير بشكل منظم أو الذين تقلقهم مشكلة صغيرة
أو حزن عابر ..
هُنا أسجل للزمن وللجميع و ( لذاتي المنهكة ) قبل كل شيء قليلاً من الإعترافات الجديدة
بعد ما عانيته مؤخراً من ظروف يعلمها الله أولاً ثم فئة قليلة من الذين أثق بهم ..
وبالرغم من زوال تلك الظروف إلا أنها قد أزالت قناع المكابرة وادعاء طول التجربة عن وجهي
لأشعر بأنني ( وللأسف ) لم أخرج بعد خمسةٍ وثلاثين عاماً إلا بالشيء اليسير !! ..
لن أنسى أنني في معترك تلك الظروف وفي خضم معركة الحزن على النفس المتعبة أنني
نظرت في أحد الليالي إلى وجه طفلتي البريء وهي تغط في نوم عميق لأدرك بأن الرّجُل
قد يعيش أحياناً من أجل غيره رغماً عنه أو يقرر ذلك بـ ( محض ) إرادته ..
هذه الأسطر هي للجميع قبل أن تكون لصاحبها ولا أدعي بذلك توجيهاً ولا تنظيراً فأنا
من يحتاج إلى التوجيه قبل غيري ولكنها بمثابة ضوء شمعةٍ خافت في نفق واقعنا نحن
الأكثرية بكل مجتمعاتِنا الخليجية وأعني بذلك أولائك الذين ينحدرون وينتمون للطبقة الوسطى ..
أما الذين يتنعّمُون بالملذات ويتلذذون بثرائهم الفاحش فهم بعالم آخر يَعُج بأمراض
العصر وأوهام النفس إلا من رَحِم الله ..
يُقال بأن الأمير ( ويليام ) أحد أبناء العائلة المالكة في بريطانيا قرر يوماً ما خوض
تجربة حياة البؤساء في المجتمع البريطاني ليسكن في أحد الأكواخ تحت جسور العاصمة
البريطانية لندن وعندما فرغ من تلك التجربة وعاد لحياته الطبيعية في البلاط الملكي قال للبستاني
عندما مرّ بجانبه ( هل تصدق بأنني أحسدك على راحة البال ؟؟ .. ) ..
الآن وبعد زوال تلك الظروف أدركت جلياً المعاني السامية لكلمات ذلك العجوز الستيني
وما الذي أراد إيصاله لشابٍ يرى الحياة بعين واحدة ومنطق موحّد ..
ولا أدري هل لازال ذلك العجوز على قيد الحياة أم أنه قد رحل عن عالمنا المجنون
لكنني متأكد بأنه وبتجاعيد وجهه المبعثرة وبعينيه الصغيرتين وبكلماته النابعة من القلب
ومن منطق الحكمة لازال يسكنني في كل موقف وفي كل لحظة حزن وألم ..
فهو بالنسبة لي من أغنى أغنياء الأرض على المستوى الإنساني وإن كان فقيراً
ويكفي هذا الموضوع فخراً أن ينطق في آخر حروفه رغماً عن كاتبه
( شكراً يا أغنى فقراء العالم ) ..
:: قبل الفاصلة ..
للذين سألوا عن سر الغياب والذين انتظروا ما سيخطه قلمي المتواضع
أشكر لكم السؤال وأقدّر لكم لحظات الإنتظار فمشاعركم هي وقود استمراري وزاد
قلمي لمصافحة عقولكم وأرواحكم ..
، فاصلة ..
الذين لا يعرفون التعاسة .. لن يدركوا قيمة السعادة ..
لكم مودتي ..